السلايد شو مقالات

قواعد اشتباك صينية جديدة مع أميركا

..

كتب عمر النادي :

يبدو أن للصبر حدودًا، وهذا ما تعكسه التحركات الصينية الأخيرة في مواجهة الولايات المتحدة،لا سيّما بعد فرضها حصاراً بحرياً على إيران من خلال حصار حصارها في مضيق هرمز ،المضيق الذي تمر منه سفن الصين الناقلة للنفط الإيراني وغيره حسب اتفاقية صينية إيرانية ،إعتبرته الصين تهديد لمصالحها واقتصادها،وان على أميركا احترام الاتفاقيات الدولية . فبكين انتقلت من مرحلة المناورة الدبلوماسية إلى مرحلة أكثر صراحة وحزمًا، عنوانها المواجهة القانونية والمالية، بعدما أصدرت تعليمات لشركاتها المحلية بتجاهل العقوبات الأميركية، ولا سيما تلك المرتبطة بتجارة النفط الإيراني.

الخطوة الصينية لم تكن إدارية فحسب، بل حملت رسالة سياسية واضحة، إذ وصفت بكين الإجراءات الأميركية بأنها غير قانونية ومخالفة للأعراف الدولية، مؤكدة أنها لن تسمح بفرضها داخل حدودها. وهذا الموقف يعكس تحولًا مهمًا في طبيعة العلاقة بين القوتين؛ من إدارة الخلافات إلى تحدي أدوات الضغط التقليدية التي اعتمدتها واشنطن لسنوات.

في المقابل، كانت الولايات المتحدة قد كثفت خلال الأسابيع الماضية ضغوطها المالية على إيران، بالتوازي مع تشديد القيود البحرية، عبر فرض عقوبات على شبكات مالية، وتهديد المصافي الصينية، وتحذير شركات الشحن من التعامل مع طهران. غير أن الرد الصيني جاء هذه المرة مختلفًا، إذ تصرفت بكين وكأن تلك العقوبات لا وجود لها، في مؤشر إلى تراجع فاعلية سياسة الإملاءات الأحادية.

الصين تدرك أن الاقتصاد هو ساحة الصراع الأولى. ومن هذا المنطلق، تبعث برسالة مفادها أن اعتمادها على الولايات المتحدة لم يعد كما كان في السابق. فما يمكن أن توقفه واشنطن، تستطيع بكين الحصول عليه من أسواق أخرى، سواء تعلق الأمر بالحبوب أو الطاقة أو التكنولوجيا. وفي المقابل، تملك الصين أوراقًا لا تقل أهمية، أبرزها المعادن النادرة، والمواد الأولية الدوائية، وسلاسل التوريد الصناعية التي تعتمد عليها قطاعات أميركية حساسة، بما فيها الصناعات الدفاعية.

ولعل ما يزيد من تعقيد المشهد أن تداعيات هذا الصراع بدأت تظهر داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث عبّر مزارعو فول الصويا، الذين يشكلون قاعدة انتخابية مؤثرة، عن مخاوفهم من خسائر تجارية كبيرة إذا استمرت الحرب الاقتصادية من دون تسوية مع بكين.

غير أن المسألة تتجاوز حدود التجارة والرسوم الجمركية. فالصين التي نجحت خلال العقود الماضية في الانتقال من مركز للتجميع الصناعي إلى قوة تصنيع عالمية، ووسعت حضور عملتها في المبادلات الدولية، تبدو اليوم في طريقها إلى دور أوسع يتجاوز الاقتصاد نحو التأثير الأمني والاستراتيجي.

فالقوة الاقتصادية حين تتراكم تتحول بطبيعتها إلى نفوذ سياسي وأمني. والصين لم تعد مجرد شريك تجاري ضخم، بل أصبحت لاعبًا حاضرًا في أسواق الطاقة، وممرات التجارة، وتقنيات الاتصال، وصناعات السلاح، فضلًا عن حضورها المتنامي في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا.

أما الحديث عن حيادها الكامل في النزاعات الدولية، فلم يعد دقيقًا كما كان يُصوَّر. فالتأثير غير المباشر، وتزويد أطراف متعددة بالتقنيات والمعدات، والمشاركة في إعادة رسم التوازنات، كلها مؤشرات على أن بكين باتت تمارس دورًا يتجاوز المراقبة الصامتة.

الصين اليوم تبدو أكثر ثقة بنفسها، وأكثر استعدادًا للدفاع عن مصالحها، وأقل قبولًا بقواعد صاغها الآخرون. ولذلك، فإن العالم قد يكون أمام مرحلة جديدة، لا تكتفي فيها بكين بمجاراة النظام الدولي القائم، بل تسعى إلى أن تكون شريكًا في صياغة قواعده المقبلة.

انشر على :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *