السلايد شو خبر من فلسطين

مسلسل اصحاب الأرض تحدي للظروف وانحياز لاصحاب الارض

كتبت ريتا طه

مسلسل #أصحاب_الأرض لم يصنع بهدف عرضه للفلسطيني وبالتالي لن يكون هناك انتظارا لرأيه، وذلك ليس تجاهلا بالتأكيد من صناع المسلسل، ولكنه أمر له أسباب منطقية، أحدها، وأكثرها أهمية… هو أن مشاهدة أي فلسطيني للمسلسل في هذه الفترة الزمنية القابعة على الحدود الداخلية للمأساة …. هو بالضرورة أمر بالغ الصعوبة وأشبه بحشو الملح في أخاديد الجراح الحيّة، إذ لم تتحول المأساة إلى ذكرى بعد. فغزة ما تزال مكبلة داخل أتون المقتلة، وهي ليست بحاجة لمن يرد لها صدى صوت صرخاتها لأنها توقفت عن انتظار أي شيء منذ زمن… ولن تنتظر الآن تصفيقا على فوزها بتحقيق أكبر نسبة قهر وأعلى تسجيل لكمية الدم المسفوق.ولكن… دراميا وفنيا يتوجب إظهار التقدير والاحترام لذكاء صناع الدراما الذين يبذلون جهدا من أجل تقديم الأعمال الأكثر مساسا لوجدان السواد الأعظم من الجمهور… وهذا ما قام به صناع مسلسل #أصحاب_الأرض والذين تحدوا صعوبة محاكاة التفاصيل، والتي على الرغم من عرضها مباشرة أمام العالم كله، إلا أنها تحمل أسرارها الداخلية وتثقل بالجوانب النفسية والتأويلات الفردية التي تختلف ما بين منطقة وأخرى ومدينة وأخرى وشخص وآخر داخل غزة… وهذا ما لا نستطيع نحن الفلسطينيين ترجمته كثيرا لأننا نسجنا على الاختلافات بشكل لا يمكن تكهن الآخرين لمدى تشابك خيوطنا الاجتماعية والنفسية وقدرتنا على خلق صورة واحدة وجازمة لكل من يشاهدنا من الخارج. هذا كله كان تحديا صعبا أمام صناع المسلسل، ولا نعلم كم من الممكن نجاح العمل بتقديم الفلسطيني بجوانبه الإنسانية البحتة محميا من تلك الهوة التي فرضتها انتاجات سينمائية ودرامية سابقة، والتي كانت مشروطة بالفصل القاطع ما بين الفلسطيني الإنسان والفلسطيني المقاو م… والتي -بأغلبيتها- كانت تتماهى مع شروط “الممول”…. من أجل عرض أو “فرض” حالة من التمرد الفردي على حالة الضحية… ولكنه ليس تمردا بهدف التحرر والخروج من هذا الدور “الضحية”, بل هو تمرد الصورة السينمائية على سردية الفلسطيني أصلا وعلى قدسية القضية، بل انه تمرد على فكرة المقدسات بحد ذاتها عن طريق تمييع المفاهيم كالتعايش والانسانية وقبول الآخر وغيرها. وكذلك تخفيف الهم العام وتذويبه داخل مشاكل فردية كان من الممكن معالجتها واقعيا ودراميا فقط في حال اقتنع العالم بأن كلمة “حرية” هي بالأصل مرتبطة بالتحرر من الاحتلا ل بالدرجة الأولى… ولكن خط سير البروبوغاندا العالمية لما تسميه حريات فردية والتغاضي عن حرية شعب بكامله من الاحتلال الإحلالي والاحتلال الاقتصادب والديني والانساني.. والتغاضي عن حرية الأسرى أحياء وجثثا والصاق مفاهيم مثل “الأحلام الفردية بالعيش” في فضاءفئة من الشباب الفلسطيني… كلها جهود باءت الآن بفشل فاضح ومخز، منذ أن أذهبت الهمجية الصهيو نية المباشرة، كل خسائرها المادية في الهواء. وهذا هو التحدي الأكبر الذي سوف يضع مسلسل أصحاب الأرض تحت المجهر، لاسيما في ظل كل التحولات العالمية لمافيهم الانسانية والديمقراطية والتعايش والآخر و و و … وفي ظل الوعي القادر على التفرقة ما بين “التباكي الدرامي” واستخدام القضية الفلسطينية سابقا وما بين الواقع الفلسطيني الذي فرض نفسه في كل زوايا العالم الآن… وفي ظل كل التحديات الصراعات الداخلية التي يواجهها الفلسطيني داخل غزة والتي لن تتيح لكاتب العمل أن يسترسل بالإجابات على ألسن الشخصيات. لأنه أمر في غاية الخطورة لأنه بكل بساطة لا يمكن لأي كائن أن يتخيل حوارا داخليا لأي فلسطيني داخل غزة… حتى أبناء الغزة المقيمين خارجها والذين لم يعايشوا الإبادة. فالأمر الآن لا يشبه انتاج مسلسل “التغريبة الفلسطينية” للعبقري حاتم علي، لا سيما من ناحية سرد الحكاية من بعد زماني كاف تماما لتشكيل صورة دقيقة لمشهد ثابت منذ عقود فصلت ما بين النكبة والنكسة وبين فترة انتاج المسلسل. أما مع كل تلك التحديات والصعوبات النفسية بشكل خاص، فمن الواجب شكر صناع المسلسل على هذا القرار الصعب والذي سوف يكون تأريخا هاما. وشكرهم على تأدية هذه الرسالة المعاكسة للتخاذل الفني والثقافي العربي، والذي كان أحد خيباتنا المحزنة على مدار عامين… وأكثر.

انشر على :

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *